علي بن محمد أحمد المالكي ( ابن الصباغ )
809
الفصول المهمة في معرفة الأئمة
فصل في ذكر مصرعه ومدّة عمره وإمامته ( عليه السلام ) قال الشيخ كمال الدين بن طلحة : مصرع الحسين ( عليه السلام ) يسكب المدامع من الأجفان ، ويجلب الفجائع ويثير الأحزان ، ويلهب النيران الموجدة في أكباد ذوي الإيمان ، كيف لا وهم رجال الذرّية النبوية بنجيعها مخضوبة ، وأبدانها على التراب مسلوبة ، ومخدّرات حرائرها سبايا منهوبة ( 1 ) . وذلك أنّ الحسين ( عليه السلام ) سار حتّى صار على مرحلتين من الكوفة فوافاه إنسان يقال له الحرّ بن يزيد الرياحي ( 2 ) ومعه ألف فارس ( 3 ) من أصحاب [ عبيد الله ] ابن زياد
--> ( 1 ) انظر مطالب السؤول في مناقب آل الرسول النسخة المخطوطة في مكتبة آية الله المرعشي قم : ورق 104 ، ومخطوطة أُخرى : سبق وأن أشرنا إليها : وزبدة المقال في فضائل الآل ( مخطوط ) : ورق 129 . مع أنّ العبارة وردت هكذا " وأشلاء " بدل " أبدانها " . وفي نسخة ( ب ) : وجثثها على الثرى . . . ( 2 ) هو الحرّ بن يزيد بن ناجية بن قضب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم التميمي اليربوعي اليامي ، وكان شريفاً في قومه ، جاهليةً واسلاماً . . . انظر ترجمته في إبصار العين في أنصار الحسين : 115 ط النجف ، جمهرة أنساب العرب لابن حزم : 215 . ( 3 ) انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 82 ، وفي مقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 230 بلفظ : وجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحرّ . . . وانظر جمهرة أنساب العرب : 215 ، مقتل الحسين للمقرّم : 182 ، الكامل في التاريخ : 2 / 551 ، و : 4 / 51 ط آخر ، البداية والنهاية : 8 / 168 ، بحار الأنوار : 44 / 375 ، عوالم العلوم : 17 / 225 ، أعيان الشيعة : 1 / 596 ، وقعة الطف : 167 ، الارشاد للشيخ المفيد : 2 / 78 وص 205 - 206 ط قديم . وانظر الإمامة والسياسة : 2 / 11 ولكن بدون ذكر الحرّ بن يزيد بل بلفظ " فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع ، فلقوهم وليس معهم ماء . . . " والظاهر أنّ ابن قتيبة اختصر الأمر ولم يذكر الجيش الّذي أرسله عبيد الله بن زياد بزعامة الحرّ بن يزيد بل ذكر عمرو بن سعيد وهو خطأ ثانِ أيضاً ، بل الصحيح عمر بن سعد بن أبي وقاص كما نصّت عليه المصادر التاريخية كالطبري والأخبار الطوال والفتوح وغيرهم وقد تكلّمنا في ذلك آنفاً ، وقد ولاّه الري وثغر دستي والديلم وكتب له عهداً عليها ، ثمّ حدث أمر الحسين ( عليه السلام ) فأمره ابن زياد أن يسير لمقاتلته فتلكّأ عمر وكره محاربة الحسين ( عليه السلام ) فهدّده ابن زياد بردّ عهد ولايته وتغريمه ونهب أمواله وأملاكه ، فرضخ لأمره وسار بعسكره أربعة آلاف فارس لمحاربة الحسين ( عليه السلام ) . وانظر أيضاً تاريخ الطبري : 4 / 302 ، و : 6 / 227 بلفظ : وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحُرِّ . . . ابن الأثير في العامل : 4 / 9 - 12 ، الأخبار الطوال للدينوري : 248 - 253 ، أنساب الأشراف : 169 - 176 ، إعلام الورى لأمين الاسلام الطبرسي : 229 - 231 ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : 3 / 62 ط أُسوة ولكن بلفظ " فاعترضهم الحرّ بن يزيد الرياحي " ولم يذكر عدد الجيش الّذي مع الحرّ بن يزيد بل قال : وهو قادم من القادسية رسولا إليه من الحصين بن نمير ، وكان الحصين في أربعة آلاف فارس . . . وانظر الفتوح لابن أعثم : 3 / 85 و 95 بلفظ : حتّى نزل حذاء الحسين في ألف فارس . . . وانظر منتهى الآمال : 1 / 607 . وقد اَجمعت المصادر السابقة على أنّ الحرّ وأصحابه وخيله وقفوا مقابل الحسين ( عليه السلام ) في حرّ الظهيرة والحسين وأصحابه معتمّون متقلّدوا سيافهم ، فقال الحسين ( عليه السلام ) لفتيانه : اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفاً ، فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفاً وقام فتية وسقوا القوم من الماء حتّى أرووهم واقبلوا يملأون القصاع والاتوار [ جمع تور وهو إناء من صفر أو حجارة ] والطساس من الماء ثمّ يدنونها من الفرس فإذا عب فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر حتّى سقوا الخيل كلها . . . وان شئت انظر قصة عليّ بن الطعان المحاربي الّذي كان مع الحرّ بن يزيد وهو آخر من جاء من صحابة الحرّ ، وكيف أناخ الحسين ( عليه السلام ) راحلته بعد أن لم يعرف كلمة أنخ الراوية ، وكيف قال ( عليه السلام ) له : اخنث السقاء أي اعطفه . . . ثمّ قام الحسين ( عليه السلام ) بنفسه فخنثه له وشرب وسقى فرسه . . . ثمّ قارن بين موقفه ( عليه السلام ) هذا وموقفهم يوم منعوا عنه وعن آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ماء الفرات يوم عاشوراء . انظر مقتل الحسين لأبي مخنف : 82 ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 230 ، والإرشاد للشيخ المفيد : 223 ط قديم ، و : 2 / 78 ، الإمامة والسياسة : 2 / 11 ، الأخبار الطوال : 247 ، تاريخ الطبري : 4 / 302 ، و : 6 / 226 ط آخر ، معالم المدرستين : 3 / 86 ، مقتل الحسين للمقرّم : 182 ، الكامل في التاريخ : 2 / 551 ، البداية والنهاية : 8 / 186 ، بحار الأنوار : 44 / 375 ، عوالم العلوم : 17 / 225 ، أعيان الشيعة : 1 / 596 ، وقعة الطف : 167 ، منتهى الآمال : 1 / 607 - 608 ، الفتوح لابن أعثم : 3 ص 85 - 95 . انظر أيّها القارئ الكريم إلى لطف وحنان أبيّ الضيم على هؤلاء الجمع في تلك الصحراء المقفرة الّتي تعزّ فيها الجرعة الواحدة من الماء وهو عالم بحراجة الموقف ونفاد الماء وأنّ غداً دونه تسيل الدماء وتسقط دونه الرؤوس وتزهق الأرواح ، ولكن خلق النبوة والإمامة لم يتركا له إلاّ أن يجود بالفضل كما جاد جدّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين قال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء . . . وأبوه عليّ ( عليه السلام ) يوم منعه معاوية بن أبي سفيان حين استولى على الماء يوم صفين . ولسنا بصدد بيان ومقارنة هذين الموقفين بل المواقف ، ورحم الله الشعراء من دعبل الخزاعي وغيره إلى العلاّمة الشيخ أحمد النحوي وللسيّد الحجة محمّد الكشميري هذان البيتان : سقيت عِداك الماء منك تحنُّناً * بأرض فلاة حيثُ لا يوجد الماء فكيف إذا تلقى محبّيك في غد * عطاشى من الأجداث في دهشة جاؤوا ( انظر شعراء الحلّة : 1 / 70 ) ورحم الله الفاضل المبدع والخطيب المصقع العلاّمة السيّد محمّد جواد شبّر حين قال : ورُبَّ رضيع أرضعته قسيهم * من النبل ثدياً درُّه الثر فاطمه ورحم الله آية الله الحجة الشيخ محمّد حسين الاصفهاني حين قال في أرجوزته : لهفي على أبيه إذ رآه * غارت لشدّة الظما عيناه ولم يجد شربة ماء للصبي * فساقه التقدير نحو الطلب جفَّ الرضاع حين عزَّ الماء * أصبحت لا ماء ولا كلاء ورحم الله الحجة الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء حين قال : فلو أنَّ أحمد قد رآك على الثرى * لفرشنَ منه لجسمك الأحشاء أو بالطفوف رأت ظماك سقتك من * ماء المدامع أُمُّك الزهراء يا ليت لا عذب الفرات لوارد * وقلوب أبناء النبيِّ ظماء